الأمير الوالد وأثره الذي لن يغيب
لا تكفي المقالات وإن طالت لحصر مناقب صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ولكنها كلمات للتعبير عن جزء بسيط من فيض إنجازاته وأثره كقائد تاريخي ملهم.
تشرفت بالعمل مع سموه عندما كان وليًا للعهد، ثم تشرفت بالعمل معه بعد ذلك، فكنت شاهدًا على شخصية استثنائية جمعت بين الرؤية الثاقبة، والإرادة الصلبة، والتواضع الإنساني الذي لا يخطئه من عرفه أو عمل معه.
كان الأمير الوالد صاحب رؤية غير مسبوقة؛ حلم بمستقبل مختلف لقطر، وآمن بقدرة أبناء هذا الوطن على الوصول إليه، ولم يكن ذلك مجرد طموح سياسي، بل مشروعًا متكاملًا عمل عليه بإصرار حتى أنعم الله عليه بأن يرى ثماره رأي العين. لقد أثبت أن الدول لا تُقاس بمساحتها، وإنما بحجم رؤيتها، وأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار فيه هو الطريق إلى نهضة الأوطان.
قدم سموه نموذجًا عمليًا بأننا، كعرب، قادرون على أن نحقق الإنجاز، وأن نصبح رقمًا صعبًا في المعادلة العالمية اقتصاديًا وسياسيًا ورياضيًا. ففي عهده تحولت قطر إلى دولة ذات حضور مؤثر، ورسخت مكانتها الدولية عبر الاقتصاد القوي، والسياسة المتزنة، والقوة الناعمة الإيجابية.
ورغم عقليته الفذة، وشخصيته القيادية الاستثنائية، ظل رحمه الله متواضعًا إلى أبعد الحدود. كل من عمل معه يدرك هذه الحقيقة، كما يعرفها أبناء شعبه ممن تشرفوا بلقائه. كان قريبًا من الجميع، لا تفارق الابتسامة محياه، ولا البشاشة حديثه، بل كان يمازح من يلتقيه وكأنه يعرفه منذ سنوات، فدخل القلوب بمحبة صادقة، وحاز حب شعبه قبل احترامه.
وكان يؤمن بأن النهضة لا تكتمل إلا بالعلم. وعندما تأسست مؤسسة قطر، ثم المدينة التعليمية، اتضحت معالم رؤيته في بناء اقتصاد المعرفة، واستقطاب أرقى الجامعات العالمية لتكون شريكًا في صناعة المستقبل. وأتذكر في عام 2001 حين أُعلن عن تدشين كلية وايل كورنيل للطب في قطر، الفرع الوحيد آنذاك، ولا يزال، لجامعة كورنيل للطب خارج مدينة نيويورك. يومها أدركنا أن ما يخطط له سموه لم يكن لمستقبل جيل واحد، بل لمستقبل وطن بأكمله، وأن البحث العلمي والتعليم النوعي سيكونان أساس النهضة القادمة.
أما على الصعيد الثقافي، فقد كان صاحب مشروع حضاري متكامل، يؤمن بأن الثقافة تصنع الإنسان وترتقي بالمجتمع. وكان مشروعه الثقافي قائمًا على الجمع بين الأصالة والانفتاح، مستندًا إلى القيم الإسلامية والهوية الوطنية، مع الاستفادة من التجارب الإنسانية العالمية. ولم تكن المتاحف والمؤسسات الثقافية بالنسبة إليه مجرد مبانٍ، بل رسالة حضارية تعكس احترام التراث الإنساني.
ولعل من أبرز ما سيبقى شاهدًا على بصيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أنه وضع الأسس الراسخة للدبلوماسية القطرية الحديثة، وصاغ نهجًا سياسيًا متوازنًا جعل من قطر نموذجًا في السياسة الخارجية الحكيمة القائمة على المبادئ والقيم. وبفضل هذه الرؤية، أصبحت قطر في طليعة الدول التي تقود جهود الوساطة وإحلال السلام، وتسعى إلى رأب الصدع بين الفرقاء، ونصرة القضايا العادلة، والوقوف إلى جانب الشعوب المتضررة والدول الشقيقة والصديقة في الأزمات، حتى غدت الدبلوماسية القطرية مدرسةً راسخة في الوساطة الناجحة والدبلوماسية الموثوقة وتعزيز الحوار وخدمة الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
كان حب قطر وأهلها يسيطر على وجدان سمو الأمير الوالد، ولم يقبل يومًا إلا أن تكون قطر في المقدمة، ووضع أسس التنمية المستدامة، ورسم طريق المستقبل، ثم ترك إنجازاته كوصايا حية لأهل قطر، تدعو إلى الحفاظ على الوطن، والاستمرار في الإبداع والتميز لرفعة قطر والإيمان بأن البناء الحقيقي لا يتوقف عند جيل، بل يستمر ما دام هناك من يحمل الرسالة بإخلاص.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقد ترك إرثًا سيظل حاضرًا في كل مؤسسة، وكل إنجاز، وكل قصة نجاح تشهدها قطر، ومنذ عام 2013 يواصل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد على نفس مسيرة التميز والنهضة في قيادة سفينة الوطن وحمل الراية بكل اقتدار استكمالاً لهذه الرؤية.
سيبقى اسم حمد بن خليفة مقرونًا بتاريخ هذا الوطن في فترة صنعت ملامح قطر الحديثة، ورسخت الثقة بأن الأحلام الكبيرة تتحول إلى واقع متى ما اقترنت بالرؤية والإرادة والعمل.
